الشيخ المفيد
4
الإرشاد
الكريم قد فتح الباب على مصراعيه أمام عموم المسلمين لتدارس حياة الأمم السالفة والغابرة ، كمناهج أكاديمية وتربوية لتلافي موارد العطب ومواضع الهلكة ، كما أشار إليه قوله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ( 1 ) . وقال تعالى ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) ( 2 ) . وغير ذلك من الآيات الكريمة التي يصعب حصرها وإيرادها هنا . وبذا فقد أوقد القرآن في مخيلة المسلم المتدبر في آياته فكرة البحث والتنقيب عن حياة الأمم السالفة ، والتي أشار إليها كتاب الله تعالى تلميحا وتذكيرا ، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال التشمير والبحث الجاد والرصين لاستحصال حكاية ما مضى وغاص في رمال أرض الجزيرة وما يحيط بها من امتدادات سحيقة مترامية الأطراف . ولما كانت الدعوة الإسلامية طرية وأعوادها غضة لم تنل منها سني الشيخوخة شيئا ، فلم تكن كتابة تأريخها بمتعسرة ولا شاقة أبدا ، ولا يعسر على الباحثين والمؤرخين وضع اللبنات الأساسية لتاريخ إسلامي متكامل يبقى زادا ومعاشا دينيا ودنيويا للأجيال اللاحقة والدهور المتعاقبة ، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، هذا إذا اقترن مداد كاتبيه بالصدق والأمانة ، وتجاوز التحزب والتعصب ، والحرص على التمسك بكلمة الحق رغم مشقة المخاض ، وهذا ما لم يوفق له معظم كتبة التاريخ وصانعي أسس بنائه الشامخ ، فتوارثته
--> ( 1 ) النحل 16 : 36 . ( 2 ) الحج 22 : 45 - 46 .